الجدوى بين الأرقام والواقع: كيف تُضلل التوقعات قرارات الاستثمار في المشاريع الجديدة؟

By: Jadwa Team

الجدوى بين الأرقام والواقع: كيف تُضلل التوقعات قرارات الاستثمار في المشاريع الجديدة؟

في السنوات الأخيرة، أصبح إعداد دراسة الجدوى خطوة شبه إلزامية قبل إطلاق أي مشروع. ومع ذلك، ورغم انتشار هذا الوعي، لا تزال نسبة كبيرة من المشاريع تفشل أو تحقق نتائج أقل بكثير من المتوقع. وهنا يبرز تساؤل مهني مهم: هل المشكلة في فكرة المشروع، أم في الأرقام، أم في الطريقة التي تُبنى بها التوقعات؟

أولًا: لماذا تبدو معظم دراسات الجدوى متفائلة؟

بدايةً، من المهم الإشارة إلى أن التفاؤل ليس خطأ بحد ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يتحول إلى تحيز منهجي داخل الدراسة. ففي كثير من الحالات، يتم بناء التوقعات اعتمادًا على أفضل الاحتمالات، وليس أكثرها واقعية.

وغالبًا ما يحدث ذلك نتيجة:

  • الرغبة في إظهار المشروع بصورة جذابة.
  • الاعتماد على متوسطات سوقية عامة دون تخصيص.
  • تجاهل الفجوة بين الطلب النظري والطلب الفعلي.
  • التقليل من أثر التعقيدات التشغيلية.

وبالتالي، تظهر دراسة الجدوى وكأنها متماسكة رقميًا، بينما هي في الواقع هشة عند أول اختبار حقيقي في السوق.

ثانيًا: الفرق بين أرقام صحيحة وقرارات صحيحة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن دقة الأرقام تعني بالضرورة صحة القرار. إلا أن الواقع الاستثماري أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد تكون الأرقام صحيحة حسابيًا، لكنها مبنية على افتراضات غير واقعية.

فعلى سبيل المثال:

  • تقدير مبيعات مبني على حجم السوق الكلي، لا على الحصة الممكنة فعليًا.
  • هوامش ربح محسوبة دون احتساب الهدر أو فترات التباطؤ.
  • افتراض استقرار التكاليف في بيئة متقلبة.

وهنا، لا تكون المشكلة في الجداول المالية نفسها، بل في المنطق الذي يقف خلفها.

ثالثًا: متى تتحول دراسة الجدوى إلى أداة مضللة؟

تتحول دراسة الجدوى من أداة تحليل إلى أداة تضليل عندما تُستخدم لتأكيد قرار مُسبق، بدل اختبار جدواه. ففي هذه الحالة، يتم انتقاء البيانات التي تدعم الفكرة، وتجاهل البيانات التي تثير الشكوك.

ومن أبرز المؤشرات على ذلك:

  • غياب السيناريو المتحفظ أو التقليل من أهميته.
  • عدم اختبار حساسية الأرباح تجاه تغير الطلب أو التكاليف.
  • تجاهل أسوأ الاحتمالات بدعوى "قلة احتمالية حدوثها".

في الواقع، المشاريع التي تفشل غالبًا لا تفشل بسبب السيناريو الأسوأ، بل بسبب سيناريو متوسط لم يتم الاستعداد له.

رابعًا: التشغيل… الحلقة الأضعف في كثير من الدراسات

رغم أن التشغيل هو ما يستهلك الجزء الأكبر من الموارد، إلا أنه غالبًا ما يُختصر في دراسات الجدوى. حيث يتم التركيز على ما سيُباع، أكثر من التركيز على كيف سيتم التنفيذ.

ويظهر ذلك في:

  • تقدير غير دقيق لعدد الموظفين الفعلي.
  • التقليل من أثر الأخطاء التشغيلية في البدايات.
  • تجاهل الاعتماد على أطراف خارجية غير مستقرة.

وبالتالي، تبدأ الفجوة بين الخطة والواقع في الاتساع منذ الأشهر الأولى.

خامسًا: لماذا تفشل المقارنات السوقية التقليدية؟

تعتمد كثير من دراسات الجدوى على مقارنة المشروع بمشاريع قائمة. ورغم أهمية هذا الأسلوب، إلا أنه قد يكون مضللًا إذا لم يُستخدم بحذر.

فالمقارنة تصبح غير دقيقة عندما:

  • تختلف بيئة التشغيل.
  • يختلف توقيت الدخول إلى السوق.
  • تختلف القدرة الإدارية والتنفيذية.

وبالتالي، فإن نجاح مشروع آخر لا يعني بالضرورة قابلية تكرار التجربة بنفس النتائج.

سادسًا: الجدوى كأداة مستمرة لا وثيقة جامدة

أحد أكثر المفاهيم المغلوطة شيوعًا هو التعامل مع دراسة الجدوى كمرحلة تنتهي قبل بدء المشروع. بينما الواقع يشير إلى أن الدراسة الأكثر فاعلية هي تلك التي تُستخدم كمرجع مستمر.

فعندما تُعامل دراسة الجدوى كأداة إدارة، يمكن من خلالها:

  • مقارنة الأداء الفعلي بالتوقعات.
  • تعديل القرارات بناءً على البيانات.
  • اكتشاف الانحرافات مبكرًا.

وتشير بعض الممارسات المهنية المتقدمة، كما هو الحال لدى جهات متخصصة مثل جدوى كلاود، إلى أهمية بناء دراسة قابلة للتحديث، لا مجرد تقرير ثابت.

الخلاصة: المشكلة ليست في الجدوى… بل في التوقعات

في النهاية، لا تفشل المشاريع بسبب وجود دراسة جدوى، ولا تنجح بسببها وحدها. بل يتحدد المسار الحقيقي للمشروع بمدى واقعية التوقعات، ومرونة التحليل، والقدرة على التعامل مع ما يحدث خارج الجداول.

إن التعامل مع دراسة الجدوى كأداة تفكير نقدي، لا كوثيقة إقناع، هو ما يصنع الفرق بين مشروع يتأقلم مع الواقع، وآخر يصطدم به. وفي بيئة استثمارية تتغير باستمرار، تصبح هذه النظرة التحليلية ضرورة، لا خيارًا.

لقراءة المزيد من المقالات
لمتابعة المزيد على التلجرام

للوصول الى لوكيشن جدوى كلاود على خرائط جوجل